فخر الدين الرازي

449

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

البحث الثاني : خص القول الأول بسين الاستقبال ، وهو قوله سيقولون ، والسبب فيه أن حرف العطف يوجب دخول القولين الآخرين فيه . البحث الثالث : الرجم هو الرمي ، والغيب ما غاب عن الإنسان فقوله : رَجْماً بِالْغَيْبِ معناه أن يرى ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة ، يقال فلان يرمي بالكلام رميا ، أي يتكلم من غير تدبر . البحث الرابع : ذكروا في فائدة الواو في قوله : وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ وجوها الوجه الأول : ما ذكرنا أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال . وثانيها : أن السبعة عند العرب أصل في المبالغة في العدد قال تعالى : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [ التوبة : 80 ] وإذا كان كذلك فإذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظا يدل على الاستئناف ، فقالوا وثمانية ، فجاء هذا الكلام على هذا القانون ، قالوا : ويدل عليه نظيره في ثلاث آيات ، وهي قوله : وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ التوبة : 112 ] لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة وقوله : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [ الزمر : 73 ] لأن أبواب الجنة ثمانية ، وأبواب النار سبعة ، وقوله : ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [ التحريم : 5 ] هو العدد الثامن مما تقدم ، والناس يسمون هذه الواو واو الثمانية ، ومعناه ما ذكرناه ، قال القفال : وهذا ليس بشيء ، والدليل عليه قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [ الحشر : 23 ] ولم يذكر الواو في النعت الثامن ، ثم قال تعالى : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وهذا هو الحق ، لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم والحوادث التي حدثت في الماضي والمستقبل لا تحصل إلا عند اللّه تعالى ، وإلا عند من أخبره اللّه عنها ، وقال ابن عباس أنا من أولئك القليل ، قال القاضي : إن كان قد عرفه بيان الرسول صح ، وإن كان قد تعلق فيه بحرف الواو فضعيف ، ويمكن أن يقال : الوجوه السبعة المذكورة وإن كانت لا تفيد الجزم إلا أنها تفيد الظن ، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه القصة أتبعه بأن نهى رسوله عن شيئين ، عن المراء والاستفتاء ، أما النهي عن المراء ، فقوله : فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً والمراد من المراء الظاهر أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد ، بل يقول : هذا التعيين لا دليل عليه ، فوجب التوقف وترك القطع . ونظيره قوله تعالى : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ العنكبوت : 46 ] وأما النهي عن الاستفتاء فقوله : وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ، وذلك لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم في هذا الباب وجب المنع من استفتائهم ، واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية قالوا لأن قوله : رَجْماً بِالْغَيْبِ وضع الرجم فيه موضع الظن فكأنه قيل : ظنا بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا : رجم بالظن مكان قولهم ظن ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين ، ألا ترى إلى قوله : وما هو عنها بالحديث المرجم « 1 » أي المظنون هكذا قاله صاحب الكشاف ، وذلك يدل على أن القول بالظن مذموم عند اللّه ثم إنه تعالى لما ذم هذه الطريقة رتب عليه من استفتاء هؤلاء الظانين ، فدل ذلك على أن الفتوى بالمظنون غير جائز عند اللّه ، وجواب مثبتي القياس عنه قد ذكرناه مرارا .

--> ( 1 ) البيت للنابغة الذبياني والرواية المشهورة : وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم * وما القول عنها بالحديث المرجم